أعاد اغتيال القيادي في حماس وسيم عطا الله العلي وزوجته، في غارة إسرائيلية استهدفت فجر الخامس من آذار/مارس شقة سكنية في مخيم البداوي قرب طرابلس، إلى واجهة النقاش اللبناني سؤالًا ظل يتراكم في الخلفية منذ أشهر: ماذا يعني بقاء نشاط عسكري لفصائل فلسطينية، وفي مقدمتها حماس، على الأراضي اللبنانية، في لحظة يتسع فيها نطاق الضربات الإسرائيلية ويتراجع فيها هامش الحماية أمام المدنيين؟

ووفق الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية، قُتل العلي وزوجته، وأصيبت إحدى ابنتيهما، فيما قال الجيش الإسرائيلي إن المستهدف كان مسؤولًا عن “التدريب والتمارين” في الجناح العسكري لحماس في لبنان.

ولم يعتد اللبنانيون على ضربات إسرائيلية في شمال البلاد، بعيدًا عن الجبهة التقليدية في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، ما أعاد إلى الواجهة المخاوف من اتساع رقعة الاستهداف الإسرائيلي إلى مناطق لم تكن تُعد، حتى وقت قريب، جزءًا من مسرح المواجهة المباشرة.

ومع اتساع الحرب الحالية، بات كثير من اللبنانيين ينظرون إلى أي وجود مسلح خارج إطار الدولة، بما في ذلك حزب الله، بوصفه مصدر خطر إضافي قد يفتح الباب أمام مزيد من الضربات داخل الأراضي اللبنانية.

ويرى المحلل السياسي أحمد عيادي أن لبنان يعيش على وقع سؤال سياسي جديد-قديم يتعلق بشرعية وجود بنية تنظيمية أو عسكرية للفصائل الفلسطينية داخل لبنان، بما يمنح إسرائيل مبررًا إضافيًا لتوسيع ضرباتها، ويطرح في الوقت نفسه سؤالًا حول من يتحمل سياسيًا وأمنيًا كلفة هذا الواقع.

وفي هذا السياق، برزت انتقادات تُحمّل حزب الله جزءًا من المسؤولية، انطلاقًا من كونه الطرف المسلح الأكثر نفوذًا في المعادلة اللبنانية، ومن كونه حليفًا لحماس ضمن محور إقليمي أوسع، في وقت تبدو فيه الدولة اللبنانية عاجزة عن فرض احتكار كامل لقرار الحرب والسلاح.

وفي مايو/أيار 2025، حذّر المجلس الأعلى للدفاع في لبنان حماس من استخدام الأراضي اللبنانية في أي أعمال تهدد الأمن القومي أو السيادة، في موقف عكس آنذاك قلقًا رسميًا متناميًا من أن يؤدي نشاط الحركة من داخل لبنان إلى تعريض البلاد لردود عسكرية إسرائيلية.

كما شددت الرئاسة اللبنانية في حينه على رفض جر البلاد إلى صراعات إقليمية، وعلى ضرورة حصر السلاح بيد الدولة.

ثم عاد هذا المنحى الرسمي ليظهر بصورة أشد بعد اندلاع الجولة الحالية، إذ أعلنت الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله بعد دخوله المواجهة ردًا على التطورات المرتبطة بالحرب على إيران، وأكدت أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة وحدها. كما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن الحكومة اللبنانية وصفها تحرك حزب الله بأنه غير قانوني، مع دعوات واضحة لمنع إطلاق الصواريخ أو المسيّرات من الأراضي اللبنانية.

ويزداد هذا القلق لأن ملف السلاح الفلسطيني في لبنان ظل، تاريخيًا، من أكثر الملفات تعقيدًا. فحماس، كما فصائل فلسطينية أخرى، تحتفظ بحضور داخل المخيمات التي بقيت لعقود خارج السيطرة الكاملة للأجهزة اللبنانية، وهو ما أقرته رويترز في تغطيتها لتحذير السلطات اللبنانية للحركة العام الماضي.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الضربة الإسرائيلية في شمال لبنان مجرد حادث أمني جديد، بل تذكيرًا بأن الترتيبات القديمة داخل المخيمات لم تعد منفصلة عن الحرب الإقليمية الجارية، وأن كلفتها لم تعد تُدفع سياسيًا فقط، بل أمنيًا ومدنيًا أيضًا.

وفي خلفية كل ذلك، يتمدد خوف لبناني أوسع من تحوّل البلاد تدريجيًا إلى ساحة حروب بالوكالة. فبالنسبة إلى شريحة من اللبنانيين، لا تكمن المشكلة فقط في هوية الجهة المستهدفة، بل في أصل المعادلة نفسها: لماذا يُقصف لبنان بسبب قرارات عسكرية لا تمر عبر مؤسساته الشرعية؟ ولماذا يُترك المدنيون مرة أخرى أمام كلفة صراع لا يملكون قرار الدخول فيه ولا القدرة على التحكم بمساره؟